www.elnaghy.com
عزيزي الزائر
هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل
يمكنك التسجيل ببساطة ويسعدنا انضمامك إلينا

www.elnaghy.com

منتدى الشيخ الناغى للعلوم الإسلامية
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول
دعوة لإخواننا جميعا - شاركونا في استمرار هذا العمل الصالح لنحقق معا الأهداف التي قام من أجلها وهي : نشر العلم النافع ، نشر العقيدة الإسلامية والدعوة إليها ، الدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ودفع الشبهات عن الإسلام والمسلمين ، إصلاح حال الأمة بإصلاح عقيدتها وبيان صالح الأعمال ومكارم الأخلاق ، السعي في مصالح الناس بما نستطيع من صالح العمل.

شاطر | 
 

 شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو أحمد الغنيمى
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

عدد المساهمات : 92
نقاط : 216
التقييم : : 13
تاريخ التسجيل : 26/09/2009
الموقع : www.elnaghy.com
العمل/الترفيه رئيس المشرفين

مُساهمةموضوع: شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1   الإثنين أكتوبر 12, 2009 6:15 pm





شرح حديث اختصام الملأ الأعلى





الحمد لله علام الغيوب ، بيده نواصى القلوب ، الخبير بما تجنى السرائر ، وبما تكن الضمائر ، العليم بما تقضى إليه الأمور ، وبما تخفى الأفئدة والصدور . سبحانه وتعالى قريب ممن يناجيه ، حكمه مقبول ، وأمره مفعول ، أقرب للنفس من حبل الوريد ، وهو على أعمال خلقه شهيد ، سبحانه إذا أراد لشئ شيئاً فإنما يقول له كن فيكون ، ينعم برحمته ، ويعذب بعدله ، وقد سبقت رحمته غضبه .

وصلوات الله وسلامه على حبيبه المصطفى ، وخليله المجتبى ، حمل الأمانة ، وبلغ الرسالة ، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فرضى الله عنه ونفعنا بشفاعته يوم لا يُخزى الله النبى والذين أمنوا معه . وبعد .

فإن هذا الحديث قد جمع فيه النبى e مجموعة من الكفِّارات التى إذا التزم بها العبد كانت منجاة له من النار يوم القيامة .

فلقد روى الترمذى فى جامعه عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال : احتَبَسَ عنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ غدَاةٍ من صلاة الصبح حتى كِدنا نَتراءَى عينَ الشمس فخرج سريعاً فَثُوَّبَ بالصلاةِ فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَجوَّزَ فى صلاتهِ ، فلمَّا سلمَّ دعا بصوتهِ فَقَال لنا على مصَافِّكُم كما أنتم ثم انفتَل إلينا فقال أما إنِّى سأ ُحدِّثُكم ما حبسنى عنكم الغداة أنَّى قمت من الليل فتوضَّأتُ فصليتُ ما قُدِّر لى فنعستُ فى صلاتى فاستَثقَلتُ فإذا أنا بربى تبارك وتعالى فى أحسن صورةٍ فقال يا محمدُ ، قُلتُ ربِّ لبيك ، قال فيم يختصمُ الملأُ الأعلى ؟ قلتُ لا أدرى ربِّ قالها ثلاثاً ، قال فرأيتهُ وضع كفَّهُ بين كتِفىَّ ، قد وجدتُ بردَ أنامِلِهِ بين ثَديَىَّ فَتَجَلَّى لى كلُّ شئٍ وعرفتُ . فقال يا محمد . قلتُ لبيك ربَّ ، قال فيم يختصمُ الملأُ الأعلى ؟ قلت فى الكفّارات ، قال ما هن ؟ قلتُ مشىُ الأقدامِ إلى الجماعات ، والجلوسُ فى المساجدِ بعد الصلاةِ ، وإسباغُ الوضوءِ فى المكروهات ِ ، قال ثمَّ فيمَ ؟ قلتُ إطعامُ الطعامِ ، ولينُ الكلام ِ ، والصلاةُ بالليلِ والناسُ نيامٌ . قال سل ، قلتُ اللهمّ إنِّى أسألكَ فِعلَ الخيرات ، وترك المنكراتِ ، وحُبّ المساكينِ ، وأن تغفرَ لى وترحمنى ، وإذا أردتَ فتنة ً فى قومٍ فتوفَّنى غيرَ مفتون ، وأسألك حُبَّكَ وحُبَّ من يُحِبُّكَ وحُبَ عملٍ يقربُ إلى حُبِّكَ . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها حق فادرسوها

ثم تعلموها ) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث فقال هذا صحيح . ( ومحمد بن اسماعيل هو البخارى ) .





وقال هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثنا خالد بن اللجلاج حدثنى عبد الرحمن بن العايش الحضرمى قال : قال رسول الله e : فذكر الحديث وهذا غير محفوظ . هكذا ذكر الوليد فى حديثة عن عبد الرحمن بن عايش قال سمعت رسول الله e . وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عايش عن النبى e ، وهذا أصح . وعبد الرحمن بن عايش لم يسمع من النبى e . [size=12]( 1 )

فإذا نظرنا فى هذا الحديث الجامع من أحاديث النبى الله e والذى رواه لنا أحد أعظم صحابة رسول الله e وهو الصحابى الجليل معاذ بن جبل ( رضى الله عنه وأرضاه ) ومدى الدقة فى وصف الكلمات والحركات لرسول الله e فى هذا الحديث العظيم الفائدة لأصبح لزاماً علينا أن نتعرف على من هو : معاذ بن جبل ؟

هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدى بن كعب بن عمرو بن أُدَىّ بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج الأنصارى الخزرجى ثم الجُشَمى وكان معاذ يكنى أبا عبد الرحمن ، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار ، وشهد بدراً وأُ حداً والمشاهد كلها مع رسول الله e ، وآخى رسول الله e بينه وبين عبد الله بن مسعود . وكان عمره لما أسلم ثمانى عشرة سنة . ( 2 )

وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله e وذلك لما رواه البخارى فى صحيحه عن قتادة عن أنس رضى الله عنه " جمع القرآن على عهد النبى e أربعة كلهم من الأنصار : أُُُُُُُُبىُّ ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت . قلت لأنس : مَن أبو زيد ؟ قال : أحدُ عمومتى " ( 3 )

وهو الذى قال له النبى e : " يا معاذ والله أنى أحبك فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " ( 4 )

_______________________



(1) الحديث رواه الترمذى : فى أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ومن سورة ص رقم 3306 ( 5/370 ) وهو بتحفة الأحوذى برقم 3452 ( 9/76 ) وأحمد برقم 22162 ( 5/243 ) وابن خزيمة فى كتاب التوحيد أخبار عبد الله بن مسعود برقم 294والدارقطنى فى كتاب الرؤيا رقم 181 ، 182 وفى علل الترمذى الكبير برقم 435 وقال الألبانى فى مختصر العلوم صحيح ( 119/80 ) و الظلال 388 وعزاه صاحب التحفة للطبرانى والحاكم ومحمد بن نصر فى كتاب الصلاة وابن مردويه .

(2) أسد الغابة فى معرفة الصحابة ( 4/400 )

(3) رواه البخارى فى كتاب مناقب الأنصار باب مناقب زيد بن ثابت ( فتح البارى 7/159) حديث رقم 3810

(4) رواه أبو داود برقم 1522 فى الصلاة : باب فى الأستغفار . والنسائى ( 3/53 ) فى السهو باب نوع آخر من الدعاء . وإسناده صحيح ، وصححه ابن حبان ( 2345 ) وانظر زاد المعاد فى هدى خير العباد لابن القيم ( 1/305 ) .













وقال عنه e " أعلمُ أمتى بالحلال والحرام مُعاذ " ( 1 )

وكان من كلامه رضى الله عنه " إذا صليت فصلى صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها " وقال ابن تيمية رحمه الله : ومن فضائل معاذ بن جبل رضى الله عنه أن النبى e بعثه إلى اليمن مبلغاً عنه ، ومفقهاً ، ومعلماً ، وحاكماً . وقد صح عن عمر رضى الله عنه قال : " من أراد الفقه فليأت معاذاً " . ( 2 )

رجع المدينة فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه ولم يحضر وفاة رسول الله e، وقد مات رضى الله عنه فى طاعون عمواس بالشام ، بين الرملة والقدس عام تمانية عشر من الهجرة وكان عمره حينها ثلاثاً وثلاثين سنةً على الصحيح كما وضح ذلك بن حجر فى ( الفتح ) وقيل مات عن ثمانية وثلاثين سنة ، رضى الله عنه وعن صحابة رسول الله e أجمعين .

وبعد إلقاء بعض الضوء على جانب يسير من حياة هذا الصحابى الجليل ، نبدأ بعون الله جل وعلا فى شرح هذا الحديث وتعلم ما جاء به كما أمرنا e فى نهايته بقوله e : ( إنها حق فادرسوها ثم تعلموها ) .

يقول معاذ رضى الله عن " احتبس عنا رسول الله e ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس " فقوله : ( احتبس ) بصيغة المعلوم وروى مجهولاً ( أُ حتُبِسَ ) - بمعنى أنه e قد حبسه شئ على غير عادته للحضور مبكراً لصلاة الفجر- يقول شارح التحفة ( ذات غداة ) لفظ ذات مقحمة أى غداة ( من صلاة الصبح ) كذا فى النسخ الموجودة وفى رواية أحمد ، وفى المشكاة (عن صلاة الصبح ) بلفظ عن . قال القارى : بدل اشتمال بإعادة الجار (حتى كدنا ) . أى قاربنا ( نتراءى ) أى نرى وعدل عنه إلى ذلك لما فيه من كثرة الاعتناء بالفعل ، وسبب تلك الكثرة خوف طلوعها المفوت لصلاة الصبح ( خرج سريعاً ) أى مسرعاً أو خروجاً سريعاً ( فثوب بالصلاة ) من التثويب ( 3 ) أى أقيم بها ( وتجوز فى صلاته ) أى خفف فيها وأقتصر على خلاف عادته . وأما قوله : ( دعا ) أى نادى بصوته ليسمع القوم كما أخبر معاذ رضى الله عنه . ( 4 )

_____________________



( 1 ) جزء من حديث ذكره الترمذى ( 10/199 ) تحفة الأحوذى ووثق رواته بن حجر قى الفتح ( 7/157 )

( 2 ) ذكره بن حجر فى الفتح ( 7/ 157 ) وصححه من قول عمر رضى الله عنه

( 3 ) يقول ابن منظور فى لسان العرب والتثويب هو الدعاء للصلاة وغيرها ، وأصله أن الرجل إذا جاء مستصرخا لوَّح بثوبه ليُورى ويشتهر ، فكان ذلك كالدعاء فسمى الدعاء تثويبا لذلك ، وكل داع مُثَوّب . وقيل إنما سمى الدعاء تثويبا من ثاب يَثُوب إذا رجع ، وقيل التثويب فى أذان الفجر أن يقول المؤذن بعد قوله حى على الفلاح : الصلاة خير من النوم ، يقولها مرتين ، كما يُثوب بين الأذانين : الصلاة رحمكم الله وقال : قال ابن الأثير : التثويب ههنا إقامة الصلاة . أنتهى

( 4 ) تحفة الأحوذى بشرح جامع الترمذى ( 9/77 ) بتصرف .









( على مصافكم ) أى اثبتوا عليها . جمع مصف وهو موضع الصف وأما قوله : ( كما أنتم ) أى على ما أنتم عليه أو ثبوتا مثل الثبوت الذى أنتم عليه قبل النداء من غير تغيير وتقديم وتأخير . قوله : ( ثم انفتل إلينا ) أى توجه إلينا وأقبل علينا وهنا يصف معاذ رضى الله عنه صفة استدارة النبى e أمام الصفوف وكلمة ( أمَا ) هنا بالتخفيف للتنبيه ( إنى سأحدثكم ما حبسنى الغداة ) ما هنا موصولة وهنا نجد أن النبى e قد أراد من القوم أن لا ينصرفوا حتى يتعرفوا على سر تأخره وذلك لما وجده من خير فى هذا التأخير له ولأمته من بعده.

فبدأ صلى الله عليه وسلم بالخطوات التى سبقت هذا الخير والذى سيُخبَر به من قبل ربه سبحانه وتعالى محادثةً فيقول e : ( إنى قمت من الليل ) فإن توقفنا هنا للحظة لندرس ونتعلم كما أوصانا النبى e فى هذا الحديث لعلمنا أنه كان يواظب على صلاة الليل ومنه قوله تعالى : {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً }الإسراء78

روى البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى e قال : " فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الصبح . يقول أبو هريرة : " أقرءوا إن شئتم : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } ( 1 )

يقول الأمام القرطبى رحمه الله : روى مالك عن ابن عباس قال : دلوك الشمس ميلها ، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته . وقال أبو عبيدة : الغسق سواد الليل . قال ابن قيس الرقيات :

إن هذا الليل قد غسقا واشتكيتُ الهمّ والأرقا ( 2 )

وقوله تعالى : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً }الإسراء79

روى البخارى فى صحيحه عن آدم بن على قال سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يقول : " إنّ الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً ، كل أمة تتبع نبيها . يقولون : يا فلان أشفع ، حتى تنتهى الشفاعة إلى النبى e ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " ( 3 )

_____________________



( 1 ) رواه البخارى الفتح ( 8/251 ) وقال ابن حجر وصله الطبرى من طريق ابن أبى نجيح عنه وزاد : يجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار . ومن طريق العوفى عن ابن عباس نحوه . كما رواه ابن ماجة ( 1/220 ) برقم 670 ورواه النسائى وأحمد فى مسنده ( 9/400 ) برقم 10089 والترمذى فى جامعه تحفة الأحوذى ( 8/452 ) بلفظ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار

( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ( 10/197 )

( 3 ) رواه البخارى فى صحيحه الفتح ( 8/251 ) كتاب التفسير باب ( عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ) يقول ابن حجر ورواه النسائى بإسناد صحيح من حديث حذيفة وصححه الحاكم .





وروى الترمذى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : " قال رسول الله e فى قوله : {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } ، وسئل عنها ، قال : هى الشفاعة " ( 1 ) يقول الإمام القرطبى رحمه الله :

التجهد هو التيقظ بعد رقدة ، فصا ر اسماً للصلاة ؛ لأنه ينتبه لها . فالتجهد القيام إلى الصلاة من النوم . قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم .

وروى اسماعيل بن إسحق القاضى من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبى e أنه قال : أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تجهد ! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة . كذلك كانت صلاة رسول الله e . ( 2 ) ولذا رجى e ربه الشفاعة وهى المقام المحمود فأعطاه ربه تبارك وتعالى إياها فله الحمد والمنة على هذا العطاء.

وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا } المزمل 1-2

وقال تعالى : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا } الانسان 26

فكل ذلك يبين لنا أن النبى e كأنما أُمر من قِبَل ربه سبحانه وتعالى بأن أن لا يُفَوّت على نفسه ولا على أمته فضل قيام الليل ، وما فيه من النفحات والبركات ، وغفران الذنوب ، واستجابة الدعاء من قِبَل رب الأرض والسماء ، فإليك ما رواه البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله e قال : " يتنزلُ ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلثُ الليل الآخرُ يقول : من يدعونى فاستجيبَ له ، من يسألنى فأعطِيَه ، من يستغفِرُنى فأغفرَ له ؟ " . ( 3 ) فأى ساعات هذه التى يقومها المرء فى هذا الوقت من الليل حتى ينال بركات ربه سبحانه وتعالى واطلاعه عليه وهو يقوم بهذه الطاعة ابتغاء مرضاته ولعل من هذا ما ناله نبينا e فى هذه الليلة المباركة التى نحن بصدد الحديث عنها وعن ما رآه فيها .

_____________________



( 1 ) رواه الترمذى فى جامعه ( 8/454 أحوذى ) وقال حديث حسن وعزاه صاحب التحفة للإمام أحمد فى مسنده وابن جرير فى تفسيره

( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ( 10/199-200 )

( 3 ) الحديث رواه البخارى ( 8/88 ) الفتح ( 11/133 ) برقم 6321 كما أخرجه أيضا ( 2/66 ) وفى الأدب المفرد ( 753 ) ، ومالك فى موطأه ( ص 149/30 ) عن ابن شهاب بمثله ومسلم فى صحيحه (1/521 ) وعنده أيضا بزيادة " فيقول : أنا الملك أنا الملك . من ذا الذى يدعونى فأستجيب له ؟ .... ( 1/522 ) ، وأبو داو د فى سننه ( 4/4733 ) ، وأحمد فى مسنده ( 2/487 ) وعنده أيضا بسند حسن بزيادة فيقول : من ذا الذى يسترزقنى أرزقه ، من ذا الذى يستكشف الضر أكشفه . ( 2/ 521 ) كما روى الحديث البيهقى فى سننه الكبرى ( 3/2 ) جميعا من طريق مالك عن ابن شهاب الزهرى بهذا الإسناد بمثله وأخرجه أبو عوانه فى مسنده ( 1/144 ) وابن ماجه فى سننه ( 1/1366 ) .











قوله e : ( فتوضَّأتُ فصليتُ ما قُدِّرَ لى فَنَعستُ فى صلاتى فاستثقلتُ فإذا أنا بربى تبارك وتعالى فى أحسنِ صورةٍ ) يقول أهل اللغة أن الفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب بدون مرور فترة زمنية ، أى أن النبي e ، قام من الليل فى هذه الليلة فتوضأ فصلى فنعس فى صلاته فاستثقل فى نُعاسه ولعل هذا أمراً أراده الله تعالى ليريه ما أراده سبحانه . يقول شارح تحفة الأحوذى : ( فنعستُ ) من النعاس وهو النوم الخفيف من باب نصر وفتح ( فاستثقلتُ ) بصيغة المعلوم أو المجهول أى غُلب على النعاس ( فإذا ) للمفاجأة ( 1 ) انتهى .

قوله e : ( فإذا أنا بربى تبارك وتعالى فى أحسنِ صورةٍ ) فالظاهر أن إتيانه تعالى كان فى المنام يدل على ذلك قول الراوى أحسبه فى المنام " هذا فى راوية أحمد " ويدل على ذلك أيضاً حديث معاذ بن جبل الذى نحن بصدده ففيه " فنعست فى صلاتى فاستثقلتُ فإذا أنا بربى تبارك وتعالى فى أحسن صورة " .



قال القارى فى المرقاة : إذا كان هذا فى المنام فلا إشكال فيه ، إذ الرائى قد يرى غير المتشكل متشكلاً والمتشكل بغير شكله ثم لم يعد بعد ذلك بخلل فى الرؤيا ولا فى خلد الرائى بل له أسباب أخر تُذكر فى علم المنام أى التعبير ، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء عليهم السلام إلى تعبير وإن كان فى اليقظة وعليه ظاهر ما روى أحمد بن حنبل فإن فيه فنعست فى صلاتى حتى استيقظت فإذا أنا بربى عز وجل فى أحسن صورة الحديث ، فذهب السلف فى أمثال هذا الحديث إذا صح أن يؤمن بظاهره ولا يُفسر بما يُفسر به صفات الخلق بل ينفى عنه الكيفية ويوكل علم باطنه إلى الله تعالى فإنه يُرى رسوله ما يشاء من وراء أستار الغيب بما لا سبيل لعقولنا إلى إدراكه لكن ترك التأويل فى هذا الزمان مظنة الفتنة فى عقائد الناس لِفَشْو اعتقادات الضلال وإن تأول بما يوافق الشرع على وجه الإحتمال لا القطع حتى لا يُحمل على ما لا يجوز شرعاً فله وجه ، فقوله : ( فى أحسن صورة ) يحتمل أن يكون معناه رأيت ربى حال كونى فى أحسن صورة وصفه من غاية إنعامه ولطفه علىّ .



أو حال كون الرب فى أحسن صورة وصورة الشئ ما يتميز به عن غيره سواء كان عين ذاته أو جزءه المميز له عن غيره أو صفته المميزة ، وكما يطلق ذلك فى الجثة يطلق فى المعانى ، يقال فى صورة المسألة كذا وصورة الحال كذا ، فصُورَتُه تعالى . ( والله أعلم ) ذاته المخصوصة المنزَّه عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال أو صفته المخصوصة به ، أى كان ربى أحسن إكراماً ولطفاً من وقت أخر ، كذا نقله الطيبى والتوربشتى . انتهى ما فى المرقاة . ( 2 )



_____________________



( 1 ) تحفة الأحوذى بشرح جامع الترمذى ( 9/77 )

( 2 ) تحفة الأحوذى بشرح جامع الترمذى ( 9/ 73 – 74 )









قلتُ : الظاهر الراجح أنه كان فى المنام فإن رواية الترمذى الآتية أرجح من رواية أحمد . قال ابن حجر المكى : والظاهر أن رواية حتى اسيقظت تصحيف فإن المحفوظ من رواية أحمد والترمذى حتى استثقلتُ انتهى .

وقال الحافظ بن كثير بعد نقل هذا الحديث عن مسند الإمام أحمد وهو حديث المنام المشهور : ومن جعله يقظه فقد غلط انتهى .

وعلى تقدير كون ذلك فى اليقظة فمذهب السلف فى مثل هذا من أحاديث الصفات إمراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والإيمان به من غير تأويل له والكسوت عنه وعن أمثاله مع الاعتقاد بأن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير ُ} الشُّورى:11 . ومذهب السلف هذا هو المتعين ولا حاجة للتأويل . وأما القول بأن ترك التأويل فى هذا الزمان مظنة الفتنة فى عقائد الناس لِفَشْو اعتقادات الضلال فمما لا التفات إليه . انتهى ( 1 )

وكان النبى e كثيراً ما يسأل أصحابه فيقول : " هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا ............ الحديث ( 2 ) ويجب علينا أن نعلم أنّ رؤيا الأنبياء حق وقد قال e : فى نهاية الحديث المذكور إنها حق فادرسوها ثم تعلموها فإن كان يقصد بها الكفَّارات فقد رأها فى منامه فهى حق كما أخبر وإن كان يقصد أن ما رآه من رؤيا أنها حق فوجب العمل بها لما ورد من حديث عائشة رضى الله عنها فى صدر صحيح البخارى " أن أول ما بدئ به رسول الله e من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم ، فكان لا يرى رءيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ...... الحديث ( 3 )

قوله e : ( فقال يا محمد ) . نداء فيه مودة ومحبة وحنو على رسول الله e فهو سبحانه وتعالى : الذى سماه محمداً فى قوله تبارك وتعالى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ........} الفتح 29

وهو جل شأنه : الذى سماه بالرسول فى قوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا........ } المائدة 41

_____________________



( 1 ) نفس المصدر االسابق

( 2 ) أخرجه البخارى فى كتاب الأذان برقم 845 وفى كتاب الجنائز برقم 386 وفى البيوع برقم 2085 وفى كتاب الجهاد والسير برقم 2791 وفى كتاب بدء الخلق برقم 3236 وفى كتاب التفسير برقم 4674 وفى كتاب الأدب برقم 6096 وفى كتاب التجهد برقم 1143 وفى كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3354 وفى كتاب تعبير الرؤيا برقم 7047 وانظر فتح البارى ( 12/457 ) من حديث سمرة بن جندب ورواه ملسم فى صحيحه ( 15/36 ) نووى وأخرجه الترمذى فى كتاب الرؤيا برقم 2294

( 3 ) انظر فتح البارى ( 1/30 ) وللحديث أطراف برقم 3392 ، 4955 ، 4953 ، 4956 4957 ، 6982

وهو جل شأنه : الذى سماه بالنبى وذلك فى قوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ } التَّحريم:9 فناداه ربه بأحب الأسماء إليه e نداء المتلطف بعبده ونبيه وهنا نجد ردةُ فعل النبى e فى رده على ربه سبحانه وتعالى بقوله : ( رب لبيك ) فإذا تأملت الرد هنا والرد بعدما وضع الرحمن يده بين كتفى رسول الله e كما أخبر بذلك فى الحديث حينما قال ( لبيك رب ) فلماذا قال فى الأولى رب لبيك وفى الثانية لبيك رب ؟

هنا نجد من بلاغة الرسول e ما تعجز عنه عقول البشر فالنداء كان مفاجئاً فأراد النبى e أن يجعل الله بينه وبين ما أراد منه حتى إن كان هناك شئ يخافه على نفسه أو أمته خففه الله بفضل وجوده بينه وبين ما أراد فقال ( رب لبيك ) ومثيله فى كتاب الله تعالى فى قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام : { ......فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } القصص 24 فهنا قد جعل موسى عليه السلام ربه بينه وبين ما دعا به متلطفا بدعائه لربه . ثم نجد النبى e يرد فى الثانية بقوله : ( لبيك رب ) فقدم التلبية لمّا اطمئن قلبه لمراد ربه منه والتلبية هنا هى إجابة المنادى أى إجابتى لك يارب ، وهو مأخوذ من لب بالمكان وألب إذا أقام به وألب على كذا إذا لم يفارقه ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية فى معنى التكرير أى إجابة بعد إجابة ، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت ألب إلباباً بعد إلباب ، والتلبية من لبيك كالتهليل من لا إله إلا الله .



يقول صاحب التحفة قوله e : ( قال : فيم يختصم الملأ الأعلى )فيختصم أى يبحث أو يتبارى ، أو يتسابق أو يسارعون فى رفع وكتابة هذه الكفَّارات ( والملأ الأعلى ) هم الملائكة المقربون واالملأ هم الأشراف الذين يملأون المجالس والصدور عظمة وإجلالا ووصفوا بالأعلى إما لعلو مكانهم وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى . واختصامهم إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء وإما عن تقاولهم فى فضلها وشرفها وإما عن إغتباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم بها وتفضلهم على الملائكة بسببها مع تهافتهم فى الشهوات ، وإنما سماه مخاصمة لأنه ورد مورد سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة فلهذا السبب حَسُنَ إطلاق لفظ المخاصمة عليه . ( 1 )



قوله e : ( قلت لا أدرى رب ) هنا يتجلى لنا صدق الصادق المصدوق e فيم يبلغه عن ربه فليس المجال هنا مجال إجتهاد لأن السائل هنا هو الخالق سبحانه وما كان لرسول الله e أن يخبر عن شئ لم يُعَلّمَه ربه إياه وهذا أحد أدلة صدق نبوته e



_____________________



( 1 ) تحفة الأحوذى بشرح جامع الترمذى 9/74

وله شاهد من كتاب الله تعالى فى قوله سبحانه على لسان نبيه e : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف188 .

يقول الإمام القرطبى رحمه الله : المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل منى من قبل أن يعرفنيه لفعلته . وقيل :لو كنت أعلم متى يكون لى النصر فى الحرب لقاتلت فلم أغلب . وقال ابن عباس : لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها فى زمن الخصب ما يكفينى . وقيل :/ المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح ؛ عن الحسن وابن جُريج . وقيل : المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أُسأل عنه . ( 1 )

قوله e : ( قالها ثلاثاً ) أى أن الله كرر عليه ثلاث مرات فيم يختصم الملأ الأعلى والبنى e يقول : لا أدرى رب وهذا يبين لنا أهمية ما سيلقى على النبى e حتى يعى جيدا ما سيوحى به إليه وهذا يذكرنا ببدء نزول الوحى أول ما نزل حينما ضمه المَلكُ وهو يقول له اقرأ والنبى e يقول ما أنا بقارئ فيكررها له ثلاثاً وذلك للتنبيه .

قوله e : ( قال فرأيته وضع كفه بين كتفىّ قد وجدت برد أنامله بين ثديىًّ ) فمذهب أهل السنة والجماعة : هو إثبات ما اثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله e من أن لله تعالى يدين حقيقة من غير تكييف ، ولا تمثيل ، ولا تشبيه ، ولا تعطيل ، ولا تأويل وقد تنوعت الأدلة من كتاب الله تعالى ، ومن سنة نبيه e على إثبات اليدين لله تعالى بل وإثبات الأصابع لهما وإثبات القبض بهما وثنيهما ودليل ذلك فى قوله تعالى : {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } ص75 . فنجد فى هذه الآية أن الله تعالى أثبت لنفسه اليدان ، وفى قوله تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ .......} المائدة64 . فلم ينكر المولى سبحانه وتعالى عليهم إثبات اليد له وإنما أنكر عليهم غلولها – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا – ومما ثبت وصح عن رسول الله e ، عند الإمامان البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر عن النبى e قال : " يطوى الله عز وجل السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك . أين الجبَّارون؟ أين المتكبرون ؟ ثم يطوى الأرضين بشماله ، ثم يقول أنا الملك . أين الجبَّارون ؟ أين المتكبرون ؟ ( 2 )

_____________________



( 1 ) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبى 7/213

( 2 ) رواه البخارى ( الفتح 11/379 ) ومسلم بشرح النووى 17/129 وأخرجه أبو داود فى كتاب : السنة باب : قوله تعالى : ( لما خلقت بيدى ) الحديث رقم ( 4732 )



فنجد هنا أن النبى e قد أثبت فى هذا الحديث الصحيح اليدين لله تعالى بل وأثبت أن له يمين وشمال . ثم نجد ما رواه مسلم فى صحيحه أيضا من حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله e : " إنَّ المقسطين ، على منابر من نورٍ ، عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا يديه يمين : الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما وَلُوا " . ( 1 ) فمن المعروف أن المقسطين هم العادلون وهذا على خلاف القاسطون فهم الجائرون .

يقول الإمام النووى رحمه الله تعالى على شرحه لصحيح مسلم :

أما قوله e : ( عن يمين الرحمن ) فهو من أحاديث الصفات وأن من العلماء من قال نؤمن بها ولا نتكلم فى تأويله ولا نعرف معناه ، لكن نعتقد أن ظاهرها غير مراد ، وأن لها معنى يليق بالله تعالى ، وهذا مذهب جماهير السلف وطوائف من المتكلمين .

والثانى : أنها تؤول على ما يليق بها ، وهذا قول أكثر المتكلمين . وعلى هذا قال القاضى عياض رضى الله عنه : المراد بقولهم عن اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعه ، قال : قال ابن عرفه : يقال أتاه عن يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة ، والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين ، وضده إلى اليسار ، قالوا : واليمين مأخوذة من اليمن .

وأما قوله e : ( وكلتا يديه يمين ) فتنبيه على أنه ليس المراد جارحة تعالى الله عن ذلك ، فإنها مستحيلة فى حقه سبحانه وتعالى ( 2 ) .

وقيل : كلتا يديه يمين بالنسبة للكمال ، وهنا نجد أن النبى e قد أثبت لله تعالى اليدان

كما وُصفت اليد بأن بها أصابع وذلك فى الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود قال : جاء حَبر من اليهود إلى النبى e فقال : يا محمد : " إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يهزهن فيقول : أنا الملك . فضحك رسول الله e تعجباً مما قال الحبر ، تصديقاً له ، ثم قرأ{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } الزمر67 ( 3 )

_____________________



( 1 ) رواه مسلم فى صحيحه 12/415 ( نووى ) والنسائى فى كتاب آداب القضاء ، باب : فضل الحاكم العادل فى حكمه ( الحديث رقم 5394 )

( 2 ) صحيح مسلم بشرح النووى 12/ 416

( 3 ) رواه البخارى فى كتاب التفسير ( سورة الزمر ) باب ( وما قدروا الله حق قدره ) الفتح 8/412 ومسلم فى صحيحه كتاب صفات المنافقين ( باب : كتاب صفة القيامة والجنة والنار ) نووى 17/127 وأخرجه الترمذى فى كتاب : تفسير القرآن ، باب : ومن سورة الزمر ( الحديث 3238 ) و ( الحديث 3239 ) ، تحفة الأشراف ( 9404 ) . وقد روى الحديث ببعض التغيرات فى الفاظه فمثلا : عند الترمذى لم يذكر الماء والثرى وكذلك كلمه يهزهن وذكر رواية الترمذى أيضا البخارى فى كتاب التوحيد باب قول الله تعالى ( لما خلقتُ بيدى ) الفتح 13/404



قال النووى على شرحة للحديث : هذا من أحاديث الصفات ، وقد سبق فيها المذهبان التأويل ، والإمساك عنه مع الإيمان بها ، مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد . فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار، أى : خلقها مع عظمها بلا تعب ، ولا ملل ، والناس يذكرون الأصبع فى مثل هذا ، للمبالغة ، والاحتقار ، فيقول أحدهم بأصبعى أقتل زيداً ، أى : لا كلفة علىّ فى قتله . وقيل : يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته ، وهذا غير ممتنع ، والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة.

وأما ( ضحك النبى e تعجبا مما قال الحبر ) ليس ضحكه e وتعجبه ، وتلاوته للآية ، تصديقا للحَبر ، بل هو رد لقوله ، وإنكار ، وتعجب من سوء اعتقاده . فإن مذهب اليهود التجسيم ، ففهم منه ذلك . انتهى ( 1 )

قال ابن حجر فى الفتح : قال ابن بطال : لا يُحمل ذكر الإصبع على الجارحة بل يحمل على أنه صفة من صفات الذات لا تُكيف ولا تُحدد ( وهذا ينسب للأشعرى ) وعن ابن فورك يجوز أن يكون الإصبع خلق يخلقه الله فيحمله الله ما يحمل الإصبع ، ويحتمل أن يراد به القدرة والسلطان ، كقول القائل ما فلان إلا بين إصبعين إذا أراد الإخبار عن قدرته عليه ، وأيَّد " ا بن التين " الأول بأنه قال على إصبع ولم يقل على إصبعيه ، قال ابن بطال : وحاصل الخبر أنه ذكر المخلوقات وأخبر عن قدرة الله على جميعها فضحك النبى e تصديقا له وتعجباً من كونه يستعظم ذلك فى قدرة الله تعالى ، وأن ذلك ليس فى جنب ما يقدر عليه بعظيم ، ولذلك قرأ قوله تعالى : {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } الآية ( 2 )

وقد علق فضلية الشيخ العلامة محمد فؤاد عبد الباقى رحمة الله على هذا بقوله :

قال القسطلانى : ( اختلف أئمتنا فى ذلك . هل نؤول المشكل ، أو نفوض معناه المراد ، إليه تعالى مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح فى اعتقادنا المراد منه . والتفويض مذهب السلف وهو أسلم . والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم ، أى أحوج إلى مزيد علم ) . وقال الإمام الكبير العلامة أبو القاسم جار الله الزمخشرى بعد أن أورد حديث الباب ، ما نصه : ( وإنما ضحك أفصح العرب e وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان ، من غير تصور إمساك ولا إصبع ، ولا هز ولاشئ فى ذلك . ولكن فهمه وقع أول شئ وآخره على الزبده والخلاصة ، التى هى الدلالة على القدرة الباهرة . وأن الأفعال العظام ، التى تتحير فيها الأفهام والأذهان ، ولا تكتنفها الأوهام ، هينة عليه هواناً لا يُوصِل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة فى مثل هذه الطريقة من التخييل . ولا ترى باباً فى علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب . ( 3 )

_____________________



( 1 ) صحيح مسلم شرح النووى 17/128

( 2 ) فتح البارى شرح صحيح البخارى 8/409

( 3 ) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان صـ 208







قوله e : ( بين كتفىّ ) بتشديد الياء وهو كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه وإيصال الفيض إليه فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفه بين كتفيه تنبيهاً على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده قاله القارئ قلت : قد عرفت مذهب السلف فى مثل هذا وهو المعتمد ( بين ثديىّ ) بالتثنية والإضافة إلى ياء المتكلم أى قلبى أو صدرى . ( 1 )



قوله e : ( فتجلى لى كل شئ وعرفت ) أى زال عنه e ما لم يكن يعلم فكانت وضع يد الرحمن جل وعلا بين كتفى رسول الله e بمثابة وحى وإلهام وهو كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه وإيصال الفيض إليه فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفه بين كتفيه تنبيهاً على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده .

[color=blue] وهذا لاعجب فيه فلقد علمنا من القرآن الكريم أن الله جل وعلا قد علم آدم الأسماء كلها وكان من قبل لا يعلم عنها شيئاً وذلك فى قوله سبحانه وتعالى : {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } البقرة31 فهو قادر سبحانه على أن يعلم رسوله e[font:5852=Times New Ro
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد زكى
عضو بارز
عضو بارز
avatar

عدد المساهمات : 175
نقاط : 331
التقييم : : 3
تاريخ التسجيل : 07/11/2009
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1   الأحد نوفمبر 08, 2009 6:16 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير العام
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1002
نقاط : 1421
التقييم : : 44
تاريخ التسجيل : 25/09/2009
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1   الأحد نوفمبر 08, 2009 6:27 pm





وبورك فيك أبنى الحبيب أحمد ذكى وجزاك عنا خيراً

وأرجو جهودك معنا يا أحمد فى منتداك هذا

وفقك الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elnaghy.ahlamontada.com
روميساء
عضو مبدع
عضو مبدع
avatar

عدد المساهمات : 729
نقاط : 963
التقييم : : 11
تاريخ التسجيل : 28/09/2009
العمر : 24
الموقع : www.elnaghy.com
العمل/الترفيه اللهم اجعل أبى من ورثة جنة النعيم يوم لاينفع مال ولابنون

مُساهمةموضوع: رد: شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1   الأربعاء فبراير 10, 2010 4:30 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مسلمة
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 49
نقاط : 59
التقييم : : 1
تاريخ التسجيل : 30/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1   الأربعاء مايو 19, 2010 5:53 pm

جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
امة الله
عضو مبدع
عضو مبدع
avatar

عدد المساهمات : 2095
نقاط : 3500
التقييم : : 98
تاريخ التسجيل : 28/09/2009
العمل/الترفيه مشرف أقسام المرأة المسلمة ومراقب عام الموقع

مُساهمةموضوع: رد: شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1   الخميس مايو 20, 2010 8:10 am


بارك الله فيك وجزاك الله عنا خير الجزاء وجعله في ميزان حسناتك

_______________________________________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شرح حديث الملأ الأعلى للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان جـ 1
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
www.elnaghy.com :: قسم الحديث الشريف :: منتدى الحديث العام وكتب السنة-
انتقل الى: